السويدية الانجليزية العربية سجل الزوار طلع النخيل - عرض المادة [شعر الدارمي العراقي]طلع النخيل >>مقالات >> شعر الدارمي العراقي

شعر الدارمي العراقي

أضيفت بتاريخ: 16/11/2007 كاتب المادة: مقداد رحيم

شعر الدارمي العراقي


تمهيد:
يقف "الدارمي" في مقدمة أنماط الشعر الشعبي في العراق إلى جوار أنماط أخرى جديرة بالاهتمام والدرس كـ"الزهيري" و"الأبوذيّه" و"الموَّال" وغيرها. وللدارمي أسلوبه الخاص ونكهته الشعبية العراقية الأصيلة التي تنبعث منها رائحة السنابل والحقول والمزارع والأنهر والسواقي، وتسرح في فضاءاتها العادات والتقاليد، وتزخر بالمشاعر المتدفقة بحرارة وصراحةٍ وجرأة.
الدارمي مروياً:
زخر الدارمي بأجواء الريف والقرى، ودلَّت لغته البسيطة ولهجته الشعبية الخاصة على نشأته في تلك الأجواء، ولكنه نشأ مجهول المبتدِع والمُنشِئ، ولذلك غاب عن روايته اسم القائل لكمٍّ هائل من النصوص ولاسيما في مراحله الأولى، حيثُ يندر أن نجده منسوباً إلى ناظمه أو قائله أو راويه، فهو من الفنون الشعبية الشائعة والمتداولة المرويَّة بشكل يومي، شأنه في ذلك شأن الفنون الشعبية الأصيلة الأخرى التي تنال الاهتمام بها بوصفها فنوناً لصيقة ً بذوق العامة وطرائق تعبيرهم عن خلجات أنفسهم وأفكارهم وهمومهم اليومية، ومع كثرة التداول يضيع اسم الناظم، وتتوجه الأنظار إلى النص دون قائله، فضلاً عن أن النسبة للقائل تقليد نقدي مرتبط بعملية التوثيق التي هي تسجيل وتحقيق، وهي مرحلة كتابية متطورة، والعامة بعيدون عن مثل هذا، لأن الدارمي شعر شعبي شفاهي يعتمد على الذاكرة اليومية للمجتمع، والاستخدام الآني بحسب السياقات، ويمكن الإشارة إلى عامل آخر مهم من عوامل ضياع اسم القائل وعدم النسبة إليه، وهو أن كثيراً من النصوص جاءت على لسان المرأة، معبراً عن مشكلاتها وخيباتها في الحب والزواج، وذلك مما لا تقبله أغلب المجتمعات العربية المدنية المعاصرة، فكيف بمجتمعات القرى والريف؟.
غير أننا نجده الآن يُنسَب إلى ناظميه، أحياناً وفي حالات ضيقة، بسبب انتشار وسائل الكتابة والنشر وتنوعها. فضلاً عن أنَّ الأجيال التالية من الشعراء أخذوا يُعلنون عن أسمائهم، وأصبح لبعضهم رواة أخذوا على عاتقهم رواية ما ينضمون، فضلاً عن رواية السامعين سماعاً مباشراً عنهم، والمقرَّبين منهم، وذلك في المجالس الخاصة وساعات السمر وليالي السهر.
عَروض الدارمي:
والدارمي شعر موزون له شكل خاص به، وله أصول يجب اتّباعها عند النظم، وهو مكوَّن من بيتين وأربعة أجزاء (أشطر)، في كل بيتٍ جزآن، وينتهي كلا البيتين بقافية واحدة:
لاتسأل اعلا الحالْ.... خلّيها سكتهْ
تسألْ عن المكتولْ..... والكاتل انتهْ
ومعناه: خير لكَ أيها السائل أن تسكت، فكيف تسأل عن حال المقتول وأنت قاتله؟!.
وأما وزنه فيعتمد على تفعيلتَيْ "مستفعلن" و"فاعلاتن" وعليهما اعتماد بحر "المجتث" في الشعر العربي الفصيح، ولكن تفعيلة "فاعلاتن" لا تتم في كلا الضرب والعروض، أي في الصدر والعجز من البيتين كليهما، ويكون شكله العروضي هكذا:
مستفعلنْ فَعْلانْ....... مستفعلنْ فعْ (=مستفعلاتنْ)
مستفعلنْ فَعْلانْ....... مستفعلنْ فعْ (= مستفلاتنْ)
قوافي الدارمي:أما شكله التقفوي فهو هكذا:
..............(؟)ـــ ........أ
..............(؟)ـــ ........أ

ومن هذا الشكل يستمد "الدارمي" خصوصيتَه وإيقاعَه المتفرّد، كما يستلهم إفراطَه في البساطة، ويُلهِمُ الشاعر القدرة على البوح والاختزال، فأمَّا البوح فمن خاصية المدّ في الشطر الأول والقطع المفاجئ في الشطر الثاني، وأما الاختزال فمن قلة المقاطع العروضية مع بلاغةٍ عجيبة في التعبير عن قصة ٍ أو حكاية بليغةٍ يحسن السكوتُ عليها.
مضامين الدارمي:
إن َّ كلَّ نص من نصوص الدارمي يتحدث عن قصّة أو حكاية ترسم للسامع أبعاداً متكاملةً تمكّنه من التصور التام والتفاعل القوي، وتتوزَّع موضوعاته في أصلها بين العلاقات الاجتماعية الخلاّقة ويقف الحب والزواج في موقع الصدارة منها، وبين شكوى الدهر، وهي شكوى طالما اعتورت نفوس الفلاّحين في العراق منذ عقودٍ طويلةٍ من الزمان، لما يواجهونه من الكدّ والضهد. فإذا كان الحب شاعتْ معه مفردات "الحب" و"الحبيب" و"القلب" و"الروح" و"الأهل" و"الواشي" و"النمّام" و"الشامت" و"الفراق" و"الشوق" و"الحرمان" و"البكاء" وغيرها، وإذا كانت الشكوى شاعتْ معها مفردات "الدهر" و"الدنيا" و"الهم" و"الموت" و"العمر" و"الأيام" و"الكفن" وغيرها، مع ما يُرادِف هذه المفردات كلها في كلام أهل الريف.
وقد اتَّسعتْ مضامين الدارمي في الوقت الحاضر لتشمل كل موضوعات الحياة مهما اختلفت وتنوعت وتنافرت، وهذه ميزة كبيرة لهذا الفن الأصيل، حتى إن ما مرَّ به العراق من حصادٍ للأرواح والراحات والممتلكات والاقتصاد والثروات والقيم الخلاقة بسبب الحروب الفتَّاكة والمتطاولة في الربع الأخير من القرن العشرين المنصرم قاد إلى ساحل طويل عريض لبحر شاسع الأفق مِن شِعر الدارمي الذي أخذ جانبٌ منه كبيرٌ يصف الحرب وأدواتها والخدمة العسكرية بتفصيلاتها المعروفة كـ"الجبهة" و"المعركة" و"الخفارة" و"الدورية" و"الإجازة" و"الجندية" و"المكلفية" و"التطوع" وغير ذلك.

نماذج من الدارمي:
1- هاك ابره هاك الخيطْ....خلّيني اكلْفكْ
امْسَـرَّد الـدَّلاّلْ .... شِلّه اعْلَ عِرْفكْ
معاني المفردات:
الدلال هو القلب.
امسرَّد: مُمزَّق.
شِلَّه: ارتقْهُ.
اعْلَ: على.
عِرْفكْ: معرفتك.
المعنى العام: (على لسان امرأة) خذ الإبرة والخيط ودعني أكلّفك بِرتْق قلبي المُمزَّق مِن جرَّاء الحب بمعرفتك.
2- شمّاتي مو شمّاتْ..... شمّاتي اخُوتـي
حتى امّى يا هالناسْ..... تِدعي اعلَ مَوتي
المعنى العام: (على لسان امرأة تتلقى الشماتة في حبيبها من أقرب الناس إليها) إنَّ الذين يشمتون بي لأجل حبي هم أخوتي وليسوا غرباء، بل حتى أمّي تدعو لي بالموت.
3- وين الجـفنْ ينباعْ..... يالشايل الخامْ
عَدلَه ارْد اطمْها الروحْ... مِن ضيم الايّامْ
معاني الفردات:
الجـفنْ: الكفن
الخام: القماش.
ارد: أريد
عَدْله: حيَّةً.
اطمها: أدفنُها.
المعنى العام: يا هذا الذي يحمل قماشاً قل لي أين يُباع القماش لأشتري لي كفناً لأدفنَ روحي وهي حية، لما أصابها من ضيم الحياة؟.
5- مِنْ جبتو طاري اهوايْ... تيّهتْ شَوري
خَـدّرتْ بالفانوسْ ... حَسبالي قُوري
معاني المفردات:
مِنْ: عندما.
طاري: ذِكْر.
اهواي: حبيبي.
شَوري: معرفتي بالأشياء أو ذهني وانتباهي.
خَدّرتْ: طهوتُ شاياً.
حسبالي: ظننتُ.
قوري: إبريق الشاي.
المعنى العام: (على لسان امرأة عاشقة ذُكر اسم حبيبها في سياق الكلام) عندما ذكرتمْ اسم حبيبي أمامي شردَ ذهني وغاب تركيزي، فقد طهوتُ شاياً بالفانوس بدلاً من إبريق الشاي!.
6- كون انْكلبْ فنجانْ...بِـيد الـقهـوجـي
واوصل لـحلك اهوايْ...وانتحب وابجي
معاني المفردات:
كون: ليتني.
انْكلبْ: أتحوَّل.
حلـك: فَم.
ابـجـي: أبكي.
المعنى العام: (على لسان امرأة رأت حبيبها من بين الضيوف في بيت أهلها) ليتني أتحوَّل إلى فنجانٍ بيد الساعي الذي يصب القهوة للضيوف، حتى أنتحب وأبكي من لوعة الشوق والفراق عندما أصل إلى فم حبيبي.
7- لو تبـجـي كل الليلْ... أبْـداً مَـهزَّكْ
لو انكْ ابن هــواي... جـنت اشمعزَّكْ!
المعنى العام: (على لسان امرأة متزوجة غير الذي تحب، تخاطب ابنها) أنا لا أهدهدك فأهز مهدك حتى لو بكيتَ طوال الليل، ولو كنتَ ابنَ الرجل الذي أُحبُّ فما أعظمَ محبتكَ في قلبي إذنْ!.

هذه لمحة بسيطة وعامة عن فن شعري شعبي عراقي هو من أهم الفنون الشعرية وأعرقها وأكثرها بساطةً وشيوعاً في التداول اليومي في حياة العراقيين.


حفظ المادة كملف Word أرسل المادة لصديق عرض نسخة للطباعة رابط الموقع البريد الإلكتروني

تصميم شركة دعمى 2008 © جميع الحقوق محفوظه للشاعر مقداد رحيم