![]() |
||||||
![]() |
![]() |
|||||
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|||||||||
أيها الكذابون: كفّوا عن الثقافة/ بقلم الدكتور نجم عبد الله كاظم...
( 1 ) بداية يجب أن أنبّه إلى أنني، في كتابتي لهذه المقالة ردّاً على مقالة لفاروق يوسف أقل ما يمكن أن توصف بأنها (مقالة شتائم)، حاولتُ أن أتعالى على أسلوب كتابته، لكنني وجدت نفسي مضطراً إلى الردّ على بعض ما استخدمه من مفردات وعبارات. وإني في الواقع ما كنت لأتوقع من جريدة (القدس العربي) أن تسمح لمثل هكذا مقالة أن تجد طريقها إلى صفحاتها. وأنا لا أتكلم عن مقالةِ معارضةٍ أو خلافٍ أو حتى هجوم، بل عن مقالة شتائم وكذب وخروج عن حدود اللياقة التي يُفترض أن يتمثّلها المثقف. وعلى أية حال ما دامت الجريدة قد قبلت بذلك فلتتقبل مني أن أقدم ردي هذا متجنباً فيه أن أفعل شيئاً من ذلك باستثناء استعارة بعض ألفاظ فاروق يوسف وعباراته تلك. لعل أول ما أثارته (مقالة الشتائم) فيّ هو استغرابي مما لا يزال فاروق يوسف يحمله كل هذا السنوات التي قضاها في وطنه البديل من القدرة على الكذب ومن هذا الكم من الحقد اللذين يعرفهما المثقفون العراقيون. فماذا فعلت البيئة الجديدة إذن؟ وماذا فعل الوطن البديل؟ غريب حقاً أن يسقط الوطن من بين يديه وهو غير آسف عليه، بينما تترسخ فيه الأحقاد والقدرات على الكذب والتخوين والبذاءة. لعلّ مشكلة فاروق يوسف هي أنه لا يقبع حتى في عربة متأخرة من قطار الزمن والتطور، فلو كان كذلك لبقي أمل في أن يلحق بالآخرين. لكنه ترك القطار منطلقاً بينما هو يمكث خارجه مخدَّراً بحياة الخنوع والذل والارتزاق.. ولذا فليس من أمل في أن يصل أو يلحق بالآخرين، ووفقاً لذلك لا غرابة أن يحقد على هؤلاء الآخرين، بينما هو لا يزال يعيش زمن التخوين والتعميل ولوم الآخرين وإعابتهم على أية ميزة يمتلكونها هم ويفتقدها هو. ( 2 ) يُقال إن الكذاب لا يصدّق أحداً، لأنه يتصور الجميع يكذبون. وقد حدث مثل هذا مع فاروق يوسف في (مقالة الشتائم) التي نشرها في (القدس العربي) يوم 29/9/2009 عن موضوع لي نُشر في الصحيفة نفسها يوم 25. والغريب في الأمر ابتداءً هو أن ما تناولتُه، في موضوعي، ليس فيه مما يتعامل مع الصدق والكذب، بل مع الرأي والرأي الآخر. الواقع أنني لا أعرف أين إمكانية أو احتمالية الصدق والكذب في موضوعي ليسمني بصفة الكذب في عنوان موضوعه. أما ما قلته في سعد البزاز وفخري كريم وأثار كاتب (مقالة الشتائم) فقد كان رأياً، وما دام رأياً وليس معلومة أو خبراً- بالمصطلح البلاغي- فهو قابل لأن يُقنع الآخرين أو لا يقنعهم، وقابلٌ لأن أكون مصيباً فيه أو لا أكون، وكل ذلك وفق رأي المتلقي بشكل أساس. بتعبير آخر ليس هناك، في سياق موضوعنا وكما معروف أكاديمياً، إمكانية صدق أو كذب، وليس هناك إمكانية الصح والخطأ بالمعنى السائد. وواضح أن الكاتب لا يعي هذا أو ربما لم ينتبه له حين انطلق مهتاجاً من أسطر قلتها في حق مثقفين اثنين، وهي بضعة أسطر من كتاب من مئة وستين صفحة، ليس الموضوع المنشور إلا جزءاً صغيراً مقتطعاً منه، فراح بناءً عليها، وقد فقد توازنه، يتهم ويسب ويشتم ويصب من كل ما يحتويه إناؤه مما يعرفه الجميع من صفات فاروق يوسف، دون سبب موضوعي. فأنْ يكون له موقفٌ معادٍ أو حاقدٌ من سعد البزاز وفخري كريم، لا يبرر له التعبير عن ذلك بذاءةً بحقهما أو بحق أي شيء يصدر عنهما، واستغلال ذلك لشتم وسب الآخرين. ويبدو أن فاروق يوسف وأمثاله ممن يدّعون الحداثة لم يتعلموا من معلميهم الغربيين أن كراهية الآخر يجب أن لا تسقط على آرائهم وتقييماتهم لهذا الآخر. والعكس صحيح، فإن رفض رأي الآخر أو عدم الاتفاق معه يجب أن لا يقودا إلى كراهيته والحقد عليه وسبّه. وهو بعدَ أنْ لم يتعلم مُثل الشرق وقيمه في الشرف والأخلاق والالتزام واحترام الآخرين والتعالي على لغة الشارع، لم يتعلم من معلمي الغرب أصول الخلاف وأساليب المحاورة واحترام الرأي الآخر. فكما فعلتْ به صفة الكذب، ها هو مرة أخرى، وتعلقاً بالأسطر التي أثارته من موضوعي، يسمني بما هو عليه، وهذه المرة بالجهل، فيقول عن سعد البزاز وفخري كريم: 'ما من أحد مهتم بالمسألة العراقية يجهل أن الأول كان بعثياً، جلب له هروبه من بعثيته كل الذي هو فيه الآن والثاني كان قيادياً شيوعيا'. فهو حتى لا يفرّق بين الجهل صفةً قد يتصف بها الإنسان كما اتصف بها هو نفسه، وبين ما تحتّمه علينا العلمية والأكاديمية- التي لا يعرفهما- من عدم البت في ما لا نعرفه أو لسنا متأكدين منه. فأنا بالتأكيد أعرف أن سعد البزاز كان بعثياً وربما متقدماً في حزبه- وهذه ليست شتيمة- وأعرف أن فخري كريم كان شيوعياً وربما قيادياً في حزبه- وهذه ليست شتيمة- ولكن الأكاديمية، التي يجهلها فاروق يوسف، لا تسمح لي بأن أعدَّهما كذلك وأنا أجهل حقيقةً- وأعترف بهذا- انتماءهما (حالياً). والأمر عينه يسري على موقفي من فاروق يوسف نفسه. فمعرفتي بأنه كان من صعاليك الشعراء الشباب في السبعينيات- وهذه ليست شتيمة- وبأنه كان من كتّاب أدب (قادسية صدام) في الثمانينيات- وهذه ليست شتيمة خصوصاً وقد كتب بعض أجمل ما كُتب عنها- وبأنه صار بعد ذلك من محمومي الجوازات الأجنبية واللجوء الإنساني وما إلى ذلك من دهاليز المنافي، أقول إن معرفتي بهذا لا تسمح لي أن أحدد انتماءه في الوقت الحاضر لأني أجهل هذا حقيقةً، ولا عيب في الاعتراف بهذا. ( 3 ) في تناولي للثقافة والإبداع في كتابي (هومسيك)، أنا غير معني بأي شيء من شخصية المثقف أو المبدع وإبداعه غير ادعاءاته حبَّ الوطن والتضحية له والمعاناة من البعد عنه مقارنةً بفعل هذا المبدع وسلوكياته ومواقفه العملية منه، وتحديداً حين لا تتناغم الادعاءات إبداعاً وغيرَ إبداع مع الفعل والسلوك والموقف العملي. وانطلاقاً من هذا ومن المنهج العلمي الأكاديمي- الذي أعذر فاروق يوسف عدم إلفته معه- لم أهتم بمن غادروا الوطن فازدهرتْ حياةُ بعضهم وساءت حياة آخرين، حتى إذا ما نسوا الوطن أو أهملوه أو استغنوا عنه.. فهذا من شأنهم هم فقط، ولا يجب مطالبتهم أو لومهم أو حتى العتب عليهم ما داموا ارتضوا ما هم فيه وصمتوا أو لم يدّعوا تقديمَ شيءٍ لم يقدموه، خصوصاً ونحن نعرف كم عانى بعضهم قبل الهجرة وبعدها. أما من تناولتهم، من هؤلاء، فهم من يدّعون حب الوطن والتضحية في سبيله والمعاناة من البعد عنه والأسى والحزن لأحزانه والفرح لأتراحه، دون أن يقرنوا هذا بالفعل والسلوك والمواقف العملية، وتناولتُ مَن يهاجمون الوطن ويعيبون عليه ويُفرطون في التشهير به، وقد يهاجمون من ارتضوا البقاء فيه. ووفقاً لهذا توزع هؤلاء المبدعون عندي إلى فئات عدة، جاءت مقالة فاروق يوسف لتؤكد كم كنت محقاً في موقف الرفض والنقد لأكثر تلك الفئات سلبية، وهي فئة المثقفين والمبدعين الذين لم يتركوا الوطن ويصمتوا، ولم يدّعوا ويبالغوا في التعبير عن حب والوطن مما يتناقض مع فعلهم فحسب، بل راحوا يهاجمون وينتقدون ويشوهون سمعة العراق والعراقيين الذين بقوا فيه، ولسان حالهم يقول وليكن من بعدي الطوفان. فقد أكد الكاتب في (مقالة الشتائم) كم يخرج بعض هؤلاء حتى عن حدود الآداب واللياقة حين يتكلمون عن أولئك الذي حاولوا أن يحتضنوا الوطن. بل هو يخرج عن كل طور ويفقد توازنه إزاء عقدة النقص التي تحفر فيه فيلجأ إلى لغته البذيئة ليشتم ما يمتلكه هؤلاء ويفتقده هو، كما فعل مع أكاديميتي مثلاً، حين قال: 'كاتب المقال كما قدمته الجريدة هو أستاذ جامعي من العراق يقيم في بريطانيا.. طبعاً لا يمكنه أن يمارس وظيفته تلك في بريطانيا وهو على هذا القدر من السذاجة'، وقد فاته أن الأكاديمية والعلمية والحياد، وتخصصي أستاذاً للنقد والأدب المقارن والحديث وضعتني أستاذاً زائراً في جامعة إكستر التي يجهل، بالطبع، عراقتها وأنها تحتل المرتبة السابعة بين الجامعات البريطانية. ومع كل هذا التشخيص والتأني في تناول المثقفين والمبدعين، أعود إلى العلمية والأكاديمية، التي يجهلها فاروق يوسف، لأقول إن كل هذا الذي خرجتُ به في كتابي يقع ضمن خانة التشخيص والنتائج التي يفرزها التحليل، وهو يحتمل الخلاف والنقاش. وعليه فمن الطبيعي أن يكون هناك من يتفق معي ومن يختلف. ومن هنا كان أن كتب لي البعض، ومنهم من كان معي ومنهم من كان عليّ، وأقول الحق إني لأحترم من اختلف معي كما مَن اتفق، بل إني لأحترم حتى من انتقدني بقوة، بصراحة لأني قد انتقدتُهم، وما دمتُ قد فعلت ذلك فعليّ أنْ أقبل منهم هذا. ولكنّ فِعْلَ هذا وفق أصول الحوار والنقاش واختلاف الرأي شيءٌ، واستخدامَ السب والتجاوز والشتائم، كما فعل فاروق يوسف، شيءٌ آخر. ولنعترف بأننا ما كنا ننتظر غير هذا من مثقف يُفترض أنْ يكون آخر من يبيع كرامته بعطايا المنظمات والملاجئ. ولكن ما لا أفهمه هو ما شأن فاروق يوسف بالعراق، وقد تخلى عنه واستبدل الوطن بأوطان منحته صفة مواطنة من الدرجة الثانية أو الثالثة؟ ما شأنه بوطن صار من الماضي وقد صح عليه القول (بعد التعديل): المضيّع ذهب صعب الذهب يلكاه بس المضيع وطن (برّه) الوطن يلكاه فمن الطبيعي أن يتحامل هكذا شخص على كل من فضّل رفض المحتل، ولم ينحدر معه في طريق السلبية والتخلي عن الوطن. فهكذا رفضتُ شخصياً المحتلَّ حين حاولت المساهمة بأقصى ما أمتلك من قدرات متواضعة في لملمة جراح العراق والعراقيين وأنا فيه، بل لعلمه أنني تعرضت لضربتين من المحتل كادت تودي بي في وقت يرتمي هو وأمثاله في أحضان الأجنبي ويُعوّل على عطاياه، وفوق هذا يصب حقده على من لم ينحدر معه. فما الذي فعله هو للمساهمة في إخراج المحتل؟ بل ما الذي فعله قبلاً من أجل الديمقراطية في ظل النظام السابق؟ وما الذي فعله بشأن الغزو؟ وما الذي فعله بشأن الطائفية وسياسة المحاصصة والاقتتال الطائفي المختلق؟ وما الذي يفعله الآن؟ ببساطة الذي فعله هو تبنّي السلبية منهجاً، والتحامل على من يتجاوز هذه السلبية ويحاول أن يفعل شيئاً. ولعل أنتن ما فاحت به رائحة (مقالة الشتائم)، تعلّقاً بهذا، قولُ صاحبها: 'إن تلك الأغلبية [المثقفة] قد دخلت من غير أن تدري (أو لعلها تدري) إلى نفق مظلم حفره الغزاة وخدمهم من مروجي ثقافة الاحتلال... كان واضحاً أن الغزاة قد هيأوا منذ سنوات طويلة عدتهم وأدواتهم الثقافية لتكون لهم سنداً مباشراً في عملية الغزو العسكري. فكانت لديهم معاهد ومؤسسات ونواد ومنظمات تخرّج منها الكثير من المرتزقة. بعضهم ذهب مباشرة برفقة البساطيل الأمريكية إلى العراق فيما أُسْنِدَت إلى البعض الآخر مهمات أخرى يقوم بها خارج العراق. وكان الهدف واحداً: إعادة إنتاج العراق مفتتا، مفككا، ضعيفا، قابلاً للانقسام، مسخاً لا هوية له'. فواضحٌ ما عمله السقوط بفاروق يوسف هنا من محاولة الإساءة والتشويه والتخوين مما يتردد في قوله في حق أحد حتى أكثر الناس تجرداً من الالتزام واللياقة. ولكن المفارقة أن فاروق يوسف إذ يريد فِعْلَ هذا هنا، يعبّر، ولكن من حيث لا يعي، عن نفسه وأمثاله الذين كانوا ضمن أكثر (المثقفين) إسهاماً بسلبيتهم في إيصال العراق إلى ما وصل إليه. فهو يصيب فعلاً في أنه وأمثاله قد أسهموا، من سنوات طويلة، ولا زالوا يسهمون في شل واحدة من أكثر فئات المجتمع التي تعتمد عليها بلدان العالم المتمدن، حين شاركوا في عملية النزوح المنظم للمثقفين من الوطن. ومرة ثالثة أو رابعة، ووسط فقدان التوازن، يسم كاتب المقالة غيرَه بما هو فيه، فيقول: 'وكما يبدو لي فقد نجح أولئك المرتزقة في خلق مناخ عام يشجع البعض على اختراع مزيد من الأكاذيب الصغيرة ليتسلقوا من خلالها السلم، بالضبط مثلما كانت مدائح القائد، أيام كان العراق مستقلاً، تشكل وسيلة للارتزاق'. فالواقع أن هذا كله ينطبق عليه تماماً. فإذ هو يعيش من سنوات على صدقات الآخرين، ولا يشعر بأي حياء من ذلك، فإنه ينسى أو يتناسى كيف كان يعيش حياة الصعلكة في السبعينيات، ليعتاش في الثمانينيات على وسائل أخرى هي كتاباته عن حرب (القائد) التي أصبح يعيّر الآخرين بها. وهنا لن أقف من فاروق موقفَه من غيره، فأعترف بأن بعض ذلك هو من جميل ما كُتب من أدب تعبوي، خصوصاً أنه لم يتردد، وهو الشاعر، بكتابة قصص للحرب. ( 4 ) بقي من جميل الثقافة وسلوكيات المثقفين، مهما حسُنت أخلاقهم أو تردّت، أنهم وسط أقصى درجات الخلاف وحين يتلقّون أقصى درجات المعارضة والاختلاف والتحامل والحقد، فإنهم لا يعدمون أن يجدوا اتفاقاً مع هذا الذي يخالفهم، بل حتى مع هذا الذي يحقد ويتحامل عليهم.. وهذا في الواقع ما كشفت عنه (مقالة الشتائم). فإني أتفق مع كاتب المقالة في قوله: 'لقد أصيب العراقيون بالإحباط وهم يرون مثقفيهم غير قادرين على معالجة صدمة الاحتلال بما يسند الجذور العراقية ويقويها ويعزز الوحدة الوطنية في مقابل مشاريع التقسيم والمحاصصة'، والدليل متجسد أمامنا في الكاتب نفسه. أما أكثر الإشارات إصابة التي نجدها في ثنايا كل هذا الحقد والكراهية المتأصلة في الكاتب، فهي قوله: 'علينا ان نشعر بالعار. نعم. علينا جميعا أن نشعر بالعار. ها هي بلادنا تذهب إلى عدم لا خلاص منه. ها هو شعبنا مهان ومذل بالانقطاع عن العصر وتقنياته وبظلام أفكار المؤسسة الدينية وبشوفينية الأحزاب القومية'. فمن أغرب المفارقات هنا أنّ بعض هذا هو أحد منطلقات كتابي (هومسيك)، الذي يعيبنا فاروق يوسف عليه، إذ هو مكتوب أصلاً عن تقصير جزء من المثقفين بشأن والوطن والاحتلال. وعليه لا أتردد هنا من أن أثنّي على رأي الكاتب فأقول: فعلاً عار عليكم إذ لم تكتفوا بالاستغناء عن الوطن بل رحتم تمزقونه وتأكلون لحم مواطنيكم أحياءً وميتين، وتتقولوا عليه وعليهم الكذب. فيا أيها الكذابون ارفعوا أيديكم عن العراق والثقافة العراقية. najmaldyni@yahoo.com
|
||||||||||
![]() |
![]() |
![]() |
2008 © جميع الحقوق محفوظه للشاعر مقداد رحيم | ![]() |
![]() |
![]() |