![]() |
||||||
![]() |
![]() |
|||||
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|||||||||
الـكـــرة والشــبــكــة...
"الكرة والشبكة" هو عنوان لمقال لي تهجمت فيه على كرة القدم، نُشر في يوم من أيام العام 1989 في صحيفة العراق البغدادية. ولعل صديقي الصحافي طيب الذكر الأستاذ سالم العزاوي يتذكر هذا العنوان، فبفضله استطعت نشره. كنتُ وصفتُ هذه اللعبة أوصافاً تليق بها حقاً، على أنها بعيدة عن الهدف الرياضي السامي، وقريبة بل ملتصقة بأوصاف بعيدة كل البعد عن الإنسانية والتسامح، منها الثأر والعداء والكراهية وبث روح التعصب والتخندق وضيق الانتماء، وليس آخرها التحارب المفضي إلى الموت أحياناً، وكان قد انهدم في ذلك الحين ملعب بالمتفرجين الهائجين فأودى بحياة عدد كبير منهم في دولة من الدول اللاتينية، فانتهزت ذلك فرصة للكلام على سلبيات هذه اللعبة، ومذكّراً بالتحارب الذي حدث قبل ذلك في أحد ملاعب كرة القدم في إحدى الدول الآسيوية بالزجاجات والعلب الفارغة الجارحة. وجميع اللعب الرياضية تقبل الخلاف برحابة صدر وسعة أفق وروح طيب إلا كرة القدم، فلا يحلو معها إلا الاستهزاء بالطرف الآخر والتقليل من قيمته وقدره، والتفاخر بالفوز عليه، ولا تطيب أخبارها المرئية والمسموعة إلا مع أفعال "انهزم هزيمة ساحقة" و"مني بالهزيمة" و"اندحر" و"تقهقر" وكأنها حرب لا لعب، وهي اللعبة الغريبة العجيبة التي لا يقتنع فريقاها بالخسارة، فكل منهما يجب أن يفوز ويسحق الفريق الآخر. وهي اللعبة العجيبة الغريبة التي تجعل محبيها يتجاوزون حدود الأدب والحشمة واتَّباع الأصول، فيهملون أعمالهم، ويقصّرون في واجباتهم، وينسون مواعيدهم ويؤجلونها، ويسيئون تصرفهم مع الآخرين أو الأقرباء والأحباء بمجرد بدء اللعبة، ويعبرون عن قلة ذوق عندما يفضلون مشاهدتها في المنزل ويفرضونها على أفراد العائلة جميعاً، ثم لا يتوانون عن الصراخ وهز الأبدان ومتابعة أقدام اللاعبين ورؤوسهم حركة بحركة حتى تنتهي اللعبة إما بالفرح العارم، أو الحزن الصادم، هذا إذا لم يكن الحضور إلى الملعب متاحاً، فلو كان متاحاً لما تأخر المولعون بها من أن يستدينوا ثمن تذكرة الدخول إذا كانوا مفلسين، وما أكثرهم في الدول التي يعظم فيها عدد الذين هم تحت مستوى الفقر. وهي اللعبة العجيبة الغريبة التي يسخِّـرها السياسيون من أصحاب السلطان لتحقيق أهدافهم الشخصية والسياسية على مرأى من الناس، ويربطونها بالوطنية وبكرامة الوطن والمواطن، والناس فرحون، ولا أدري كيف يقبل الناس الفرح بالفوز بها، وصرف الأموال الطائلة من أجلها في وطن فيه جياع ومتسولون، وفيه أمية مستشرية وأميون! وكان بدأ عندي الإحساس بخطورة لعبة كرة القدم في وقت مبكّر من حياتي، فصرتُ أختلف مع أصدقائي المولعين بها، وهم كُثر، وأحثهم على التخلص من هذا السرطان، ولكنه، كما يبدو، سرطان يصعب معه الاستئصال، وبدأ عندي الشعور بالأسى بمجرد سماعي بانتظام دورة لكرة القدم، وأصبحتُ شديد اليأس في ذلك لاتساع مزاولة هذه اللعبة، وافتراع دورات تحت مسميات جديدة وكثيرة تبدأ بكأس الحارة وتنتهي بكأس العالم مروراً بالقرية والمدينة والمحافظة والمقاطعة والدولة ومعالي الوزير وسمو الأمير وسيادة الرئيس وجلالة الملك، ولا غياب للأشبال واليافعين وأصحاب المهن حتى الشرطة منهم والطلبة (المساكين)، ولا أستبعد أن تُشمل جميع المهن بعطف الساسة العظماء ورعايتهم فيفترعون كأساً خاصاً بكل مهنة، فجميع أبناء الشعب بجميع فئاتهم وطبقاتهم من حقهم التسلي والتلهّي والترويح عن النفس، ولكل شيء ثمنه!، فلا تنتهي دورة حتى تبدأ أخرى، ولا يمضي وقت قصير دون أن تنتظم دورة هنا أو هناك، والأدهى من ذلك أن تتزامن دورات كثيرة فيُحتاج معها إلى استنفاد وقت طويل جداً للمتابعة. وكنت أبدي لأصدقائي عَجَبي من أنْ يتراكض مجموعة كبيرة من الأشخاص في الفريقين ويتسابقون من أجل أنْ تدخل الكرة في الشبكة، ولو لم يكن وراء ذلك من مخاطر لقلتُ: تسجية وقت، وقلة تدبير، وحسب!، وفوق ذلك فاللعبة من وجهة نظري لا تليق بمن تجاوز عمره سن السادسة عشرة. وقد زاد يأسي وعظم ضجري الآن، فقد أصبح لهذا السرطان انتشار أوسع مع انتشار الفضائيات، وتخصص عدد كبير منها بشؤونه، واتسع مع ذلك ارتفاع الأصوات والضجيج أمام المرئيات، وعبارات التذمر أو الاستحسان، وزمّ الشفاه والضرب على المناضد وحافات الكراسي والكفوف، وكسر الصحون والكؤوس، فضلاً عن كسر الرؤوس!. وأستدرك فأقول إن الأمر لا يخلو من الشذوذ الذي لا يُعوَّلُ عليه في إصدار الأحكام، فقد يتَّهمني البعض بالتعميم، وسيذكرون لي حالات استثنائية، ويذكّرونني بلعبات كرة قدم لم يحدث فيها سب وشتم وضرب، وأنا وإنْ لم أتابع خرابات هذا السرطان المستمرة، فالوقت عندي أثمن من تضييعه في مشاهدة لعبة لا تليق بالكبار، ولم يبلغني إلا ما يطرأ بالمصادفة من أخبارها، ولاسيما تلك التي تفوح رائحتها النتنة وتزكم الأنوف، إلا أنني لن أصدقهم! قبل عشرين عاماً تجرأت على انتقاد لعبة كرة القدم في الصحافة، ثم سكتُّ بعد اسشتراء الداء وقلة الحيلة في العلاج، وها أنا أرى ما أرى من نتائج هذه اللعبة- السرطان، وأستذكر جرأتي دون ندم، غير أنني ربما أندم الآن بعد نشر هذا المقال، فما الذي يعصمني من كراهية محبيها لي، وتجنِّيهم عليَّ حتى الأصدقاء منهم، أليس من صفاتها الثأر والعداء والكراهية وعدم التسامح؟. سنرى. 23/11/2009
|
||||||||||
![]() |
![]() |
![]() |
2008 © جميع الحقوق محفوظه للشاعر مقداد رحيم | ![]() |
![]() |
![]() |