السويدية الانجليزية العربية سجل الزوار طلع النخيل - عرض المادة [أســــالـيـب...]طلع النخيل >>مقالات >> أســــالـيـب...

أســــالـيـب...

أضيفت بتاريخ: 22/02/2010 كاتب المادة: مقداد رحيم

أســـالـيـب






كنتُ كلما حدثتُ صاحبي عن التاريخ يفجؤني بقوله 'التاريخ لا يعيد نفسه'، وأنا لا أرى ذلك، ويحاول أن يُقنعني بالمقولة المشهورة 'إنك لا تدخل النهر مرتين'، لأن هناك مياهاً جديدة ستأتي، فيكون الماء الثاني غير الماء الأول!. وما زلتُ أقول له إن النهر لا يملك قَدَرَه، ولا يستطيع أن يُغـيِّـر له مجرىً، ولا يختار لِمائه طعماً!، وإذا سألنا الأنهار جميعاً عن أمواهها فلا أظنُّ أنها ستشي بغير ما كانت تشي به عبر العصور، إلا بتغيرات تتعلق بأساليب التعامل معها، أو مع أمواهها.
وحوداث التاريخ كثيرة لا تُحصى، ولكنني لا أفرِّقُ، على سبيل المثال، بين أنْ يتحكم الفرس والروم بأمتنا العربية ومقدَّراتها قبل الإسلام، أو أنْ تتحكم الدول ذات السلطة العظمى بها في العصر الحديث، فكله استعمار.
ولا أفرِّقُ كذلك بين أن تسيل الدماء من المرازيب في موقعة 'الحرة' في دولة الإسلام وكان طرياً، وأنْ تسيل من الأعناق في الجزائر، أو أنْ تسيل من الرؤوس في ملاعب كرة القدم (!)، فكله دماء.
ولا أفرِّقُ بين أنْ يختلط ماء دجلة ببغداد بدماء المخطوطات العربية على يد المغول، أو أنْ يختلط بدماء الشهداء على أيدي إخوانهم فكلها خسارات.
ولا أفرِّقُ بين أنْ يُعذَّبَ المواطِنُ بأنْ يُوضع في حفرة وتُشعلَ فوقها النار حتى ينضج جلده على طريقة بعض الخلفاء والملوك في دولة الإسلام، أو أنْ يوضع في فرن حديث على طريقة هتلر، أو أنْ يوضع في إناء كبير مملوء بماء النار حتى يذوب ويتلاشى على طريقة بعض الحاكمين العرب، فكله تعذيب.
ولا أفرِّقُ بين المذنَّب الذي اكتشفه العالِم الغربي 'هالي' في العصر الحديث وسُمِّيَ باسمه، وبين المذنَّب الذي أشار إليه الشاعر العربي أبو تمام الطائي في العصر العباسي في قصيدته التي يمدح بها الخليفة المعتصم بالله بعد فتحه 'عمُّورية'، فكلاهما مُذنَّب واحد.
ولا أفرِّقُ بين أنْ يَقتل قابيل هابيلاً من أجل الظفر بزوج، وأنْ يتحارب الإخوة المعاصرون داخل أوطانهم وخارجها على طريقة الوشاية والمزاحمة وسحب الأبسطة من أجل الظفر بِمغْنَم، فكل ذلك طمع!.
وما دمتُ لا أفرِّقُ بين الأشياء عبر التاريخ، فإنني أدخل النهر بلا حساب، وأنا أشعر دائماً بأنه نهر واحد، وأن مياهه هي هي، وأدري أنها أساليب... ليس غير!.
................
نشرتْ في صحيفة الوفاق اللندنية في عددها 301 في 29 -1-1998.

حفظ المادة كملف Word أرسل المادة لصديق عرض نسخة للطباعة رابط الموقع البريد الإلكتروني

تصميم شركة دعمى 2008 © جميع الحقوق محفوظه للشاعر مقداد رحيم