![]() |
||||||
![]() |
![]() |
|||||
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|||||||||
الأزهار كـمظهر للتـميـز الأندلسي
شكلت الطبيعة الأندلسية جزءا من كيان و شخصية الأندلسيين، استنشقوا مــن أريجها حياتهم و سعادتهم، و استنبطوا منها كل معايير جمالهم، و ظلت أهم مميزات بلدهم الذي تعددت فضائله، حسب ما ورد في المصادر المشرقية و المغربية عــــلى السواء... و باختصار فإن "محاسن الأندلس لا تستوفى بعباره، و مجاري فضـلها لا يشق غباره، و أنى تجـــارى و هـــي الحــــائزة قصب السبــق في أقطــــار الـغرب و الشرق"(1). أشجــار و ثمار، جبال و سهــول و أنهار... مناظــر تسبي العــقول و تخلــب الألباب، و تخرج كل مكنون من جوف الإنسان، فينساب رقـــيقا كالنـسيم، أو ينفـجر كالبركان. كيف لا و قد ذكر الحميري –مثلا- في وصف أحد جبال الأندلس ما يلي : "ينبت ضروب النواوير و أصناف الأزاهير، و أجناس الأفاويه و العقـاقير، و تـدوم غضارة نوره و تتصل بهجة نبته باعتدال هوائه، و كثرة أندائه، فيقطف النرجس فيه غضا في زمن الورد..."(2). و كـان الأندلسيون ، بحبـهم لهذه الطبيعة الجمـيلة، يخرجـون للتنزه بانتظــام بدعوة من بعضهم البعض. فقد دعا ابن سعــيد (ق7هـ) زميله ابن سهــل إلى مـــرج الفضة: هلــَّم أبـا إسحـــــاق نــحو نــزاهـــة *** كمــثل التــي عُـوِّدْتَ بالــدوح و النهـر و نبدي لزهر الروض والورد وْجنة *** و ثغــُر فــٍم أندى من الورد و الزهـــر و إن عبتــمونا في التصابي جهالـــة *** فعصر الشباب الغض يغني عن الـعذر(3) و ازدهر شعر الطبيعة بشكل غزير بالأندلس، و اشتهر معه شعراء أفذاذ مـن طينة ابن زيدون صاحب التجربة المشهورة في التقمص الوجداني من خلال الربــط بين مجالي العاطفة و الطبيعة، و ابن عمار و ابن خفاجة و غيرهم كثير... و قد أولى الأندلسيون عناية فائقة للأزهار على اختلاف أنواعها، و ظل الناس " و لا سيما الأغنياء و الموسرون يوجهون اهتماما خاصا لزراعة الزهور و تنظيـم الحدائق"(4) ، فكثرت الحدائق و الرياض التي: تــرى وردهــا و الأقحوان كأنـه *** بـــها شــــفٌة لميــاءُ ضــاحَــــكَها ثــغرُ(5) و ليس من قبيل الصدفة أن يخلد الخليفة عبد الرحمان الناصر عهده ببناء مدينة في غاية الرونق و الجمال سنة 325هـ، و أن يختار لها اســم "الزهـــراء" فــي قصة معروفة(6) ، و من أبدع ما نظم في هذه المدينة قول ابن هذيل: كـأن غصون الآس و الريح بينها *** متــون نشاوى كلما اضطربت سكْرا كأن جــــــنيَّ الجــلـنـــار و ورده *** عشـيقان لـما استـجمعا أظهرا خفـــرا(7) و لعل نفس الأهداف، هي التي حكمت المنصور بن أبي عامر، في بـناء مديـنة "الزاهرة" لتخلد تاريخه، بعدما استبد بالخلافة و حول الحجابة إلى حكم حقيقي. و انعكس هذا الاهتمام بالأزهار في الأندلس على الحركة التأليفية، حيث حمل العديد من مؤلفات الأندلسيين أسماء الأزهــار و الورود و الريــاض، و من أبـــرزها كتاب "الحدائق"، و ألفه ابن الفرج الجياني مـعـارضا كتـاب "الزهرة" لابن أبي داود الأصفهاني، و كتاب "البديع في وصف الربيع" لإسماعـــيل بــن عامــر الحمــيـري،و "المقتطف من أزاهـــر الطــرف" لابن سعـيد، و "روضة الـنسرين في دولة بــني مرين" لابن الأحمــر، و روضة التعريف بالحــب الشــريف" و"ريحـانة الكـــتاب و نجعة المنتاب" لابن الخطيب، و" الزهرات المنثورة في نكت الأخـبار المأثورة" لابن سماك العاملي، و غير ذلك كثير... و لما عزم المقري على تأليف كتـاب - بطلب من أهل الشام - للتعريف بالكاتب و الشاعـر و الوزير لســان الديــن بن الخطيب و أخبار بلاده و أعلامــها... عمد إلى تسمية كتابه الضخم ب"نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب و ذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب"(8). فالعنوان عبارة من قناة للمرور إلى عمق الكـتاب، و مفــتاح لفهــم و استقـــطاب الأبعاد الفكرية و الغائية التي يطرحها المؤلف، لذلك، فالمـقــري بدعوته – عبـر هذا العنوان – إلى نفح و استنشاق الطيب من غصن الأندلس الشذي، إنما وجد في ذلك أبلغ استعارة للدعوة إلى التمعن بانتشاء في أخبار الأندلس و أهلها، معتبرا إياهم كالأزهار، و بلادهم كالروضة الفيحاء. و لعل أبرز مؤلف أنـدلسي في الأزهار هو "الــبديــع في وصـف (أو فصل) الربيع" لأبي الولـيد إسماعــيل بن عامــر الحميري (ت440هـ) ، الذي ألفه في إطـار المفاخرة بأهل بلده، و هي نزعة أندلسية، كان الهدف منها الدفاع عن الثقافة الوطنية الأندلسية و إنقاذها من التهميش، و يجد هذا الأمر سنده ، كذلك، في رسالة ابن حزم في فضل الأندلس، و في مقدمة كتاب "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة" لابن بسام، و في المعارضات الشعرية و النثرية... و في هذا الإطار قال الحميري متحدثا :" و لست أودعـــه إلا ما أذكــر لأهــل الأندلـس خاصة في هذا المـعــنى إذ أوصــــافهم لم تتكرر على الأسمـــاع و لا كثـــر امتزاجـها بالطباع"(9). و لما كانت النفوس ميالة إلى الجديد المخترع و المبتدع، فإن كل قديـم و متداول يتهــاوى أمامها : "و أما أشعــار أهل المشرق فكثر الوقوف عليها و النظر إليها حتى ما تميل نحوها النفوس و لا يروقها منها العلق النفيس"(10) فالمؤلف يدافع عن أهل بلده، نظرا لما أبدعوه من أشـعار راقــية في وصـف الأزهار و هذا الأمر قادر على أن يعفي آثار المشارقة – حسب المؤلف - لذلك فأهل المشرق "لا يجدون لأنفسهم من هذه التشـــبيهات في هذه الموصوفات ما وجدته لأهــل بلــدي على كثرة ما سقط منها عند يدي..."(11). ثم قام بـذكــر ما ورد عند شعراء الأندلس من أوصاف للأزهار بمختلف أنواعـــها: الآس، الياسمين، البهار، البنفـسج، الخـيري النمام، الخيري الأصــفر، النرجـس الأصفـر، الورد, ، السوسن، الخرم, ، النيلوفر،نور اللوز الأقحوان، الشقر، نور الباقلاء، نور الغالبة، نور الرمان والجلنار. و من الأشعار الواردة في هذا الكتاب، قــول أبي عمر الرمــادي في هذا البيت البديع: خُلو فٌ من الريحان راقــت كأنـها *** و إذ حسُــنت في لحظنا ِلـمَمٌ شُـــعْثُ(12) و في نفس إطار التميز و التفرد، و إعلان التفوق، قام الأندلسيون بمعارضة ابــن الرومي في قصيدته التي فضل فيها النرجس على الورد: خـجلـت خدود الورد من تخجــيله *** خــجلا تـوُّردها علــيه شاهـــــــد(13) فكأن الأندلسيين في معارضتهم لهذه القصيدة، التي نقضوا فيها مذهب ابن الرومـي، يشيرون إلى أنهم أدرى بعالم الأزهار من غيرهم. قال أبو بكر بن القوطية: خسفـت خـدود النرجـس المصفـر من *** حسد و قد يـذوي العدو الحاسد و اصفرَّ حتى كـــاد أن يقـضي أســى *** لما رأى الــورد الذي هو وارد(14) و الدارس للشعر الأندلسي يلاحظ نسيم الطبيعة يسري بين كل أبياته، فالطبيعة مدت الشاعر الأندلسي بمعجم ضخم و باستعارات في غــاية الروعة... و وجــد فـيها الماء و الهواء و كل ضروريات الحياة و الاستمرار... و بخصوص الأزهار، نلفي أن الشعر امتزج بها أيما امتزاج، فعبر الشاعــــر بالزهريات (أو النوريات) في مختلف الأغراض الشعرية المعروفة، بل إن النوريات موضوعة أو غرض شعري تلاقت فيه العديد من الأغراض الأخرى. فالتعبير عن الحب و الهيام و وصف المـرأة بمفاتــنـها و مـحاسنها... لا يجــد وسيلة أحسن من التعبير بالزهر و الورد. قال ابن زمرك في تجربة شعرية مجازية: رعـى الله زهــرا لقـرنــــفــــــــل *** حكى عرفَ من أهــوى و إشراق خَدِّهِ و منـبـتـه في شاهـــق مــــــتمـنع *** كـما امتـنع المحبــوب في تــيْهِ صــدِّهِ أميل إذا الأغصان مالت بروضة *** أعانق منها القضـــبَ شـــوقــــــا لقـده و أهفو لخفاق الــنسيم إذا ســرى *** و أهوى أريــــج الطيب من عرف نده(15) و قال أبو مروان الرمادي في وصف الخيري النمام: ينــم مع الإظلام طـــيبُ نســيمه *** و يخفـــى لــدى الإصباح كالمــــستتــر كعـــاطرة لـيلا لـــــوعد مُحِـــبِّها *** و كـــــاتمة صبحا نســـيــــــمَ الـتـعـطـر(16) و امتزجت النوريات أيضا بالمديح السلــــــطاني، يقول أبو بكر بــن القوطيــة في هذه الأبيات التي زاوج فيها بين الثناء على الورد و على السلطان ذي الوزارتيـن أبي أيوب بن عباد، فجعل لسلطان الأزهار و السلطان الممدوح نفس المكانة السامية: نَوْرُ الربى خَوَلٌ و الورد سلطان *** بـــــذا قـــضى آذار و نيـــــــــــــــسانُ سرٌّ طَوَتْهُ فصولُ العام حاســــدة *** لفـضله إذ لـه السلطــــان و الـــــــشانُ حتى إذْ ما الربيع الطـلـق نـــمَّ به *** بــدا و قد ضــــاق عــــن مثواه كثمان معالـــجا فــــتحَ أوراقٍ تطــــبِّـقه *** كــما يعالج فـــتح العيــــــــن وســـنان حتى تفتح من أكمـــام بـردتــــــه *** كمــا تفـــــتح بعـــــد الـــــنوم أجــفـان أما النســيم فـــطيب لا أكـــــيّفــه *** و اللـــــون حسنا به الألــــــوان تزدان فما سوى الورد في النوار من ملك*** و لا كمـــــثل أبي أيـــوب سلــــــطان ملك يريك اهتزاز الروض يتبعـه *** حلم رسا منه فوق الأرض ثـــــــملان(17) و قد عبر الشعر الديني عن موقفه من الأزهــــــار و الرياض، حيث نـــجد من اتخذها فرصة لتعظيم الخالق، و مناسبة للتأمل الروحــــي، حيـث يتجلى الإله في كل جزء من أجزاء الطبيعة. قال ابن خاتمة الأنصاري: لولا حيائي من عيون النرجــس *** لَلَــثمت خــد الورد بين الســنــــــــدس و رشفتُ من ثغر الأقاحة ريـقها *** و ضممـت أعطاف الغصون الميَّــــس و هتـكت أستـار الوقـار و لمْ أُبَلْ *** للبـاقِلا تلحــظ بطـــرف أشْـــــــــــوَسِ(18) يعبر بهذه النوريات عن مكنوناته، و ذلك في إطار صراع داخلي بين مطالب مادية تلحها عليه نفسه و هواه، و مطالب روحية تمليها عليه عقــيدته... و كلــما عدد محاسن الطبيعة و جمال أزهارها و مناظرها، انتهى به الأمر إلى إرجاع الفضل إلى الخالق سبحانه و تعالى: لُطَفٌ من الإحسان أعجزت الورى*** أوصافُـها, سبحان مبدعها العـلي(19) مثلما يدعو إلى تعميق النظر بالبصيرة بدل البصر للتعامل مع محاســـن الجمـال في الطبيعة... في ذلك تتجلى عظمة الخالق، التي لا يفقـــهـها إلا ذو تأمل عميق، يحــب الأزهار حبا صوفيا و يتأمل في مكامن جمالها و جمال صانعها تأملا فلسفيا دقيقا: فسل أزاهـير الروض غِـبَّ نَـدًى *** هــل نبَّهَتْ وقعات الطلِّ عينَ عَـمِ في كل حسـنٍ له معنى تشاهـــدُهُ *** عينُ الصفيِّ و قلب الحاضر الفَهِمِ(20) أو كما قال: من لم يشاهدْ موقع الحسن الخفـي *** من منظر لم يدر ما الحسنُ الجلي فالحسن ما وضَحَتْ شواهد فضله *** للمجتنــي كوضوحها للمجـــــتلي(21) و بــاختصار، فقد رافـقت الأزهـــار الشاعر الأندلسي في كل المحـــــــطات و المواقف. فعبر بها في أوج اطمئنانه وأوج ازدهار بلاده، كما عبر بها في النكبات النفسية و المآسي الوطنية المتعددة، لتبرز الزهريــــــات (أو النوريات) كمظهر مـن مظاهر التميز الأندلسي، و كموضوعة جديرة بالدراسة الوافية و المتعمقة... د. عبد الرحيم الخلادي أستاذ و باحث – أكادير khalladi72@hotmail.com * * * * * الهوامش: (1) "نفح الطيب", المقري, جـ 1/ ص 125. (ط. 1968). (2) "الروض المعطار في خبر الأقطار", ص 349, (ط. 1975). (3) "اختصار القدح المعلى", ابن سعيد, ص 73, (ط. 1980). (4) "إشبيلية في ق 5 هـ", صلاح خالص, ص 105, (ط. 1981) (5) "البيت لعباس بن فرناس. (6) "نفح الطيب" جـ 1/ص 523, و بعدها. (7) "التشبيهات من أشار أهل الأندلس", الكتاني, ص 79, (ط. بيروت, د ت). (8) "عبارة عن مونوغرافيا تضم العديد من الأخبار والأشعار, في ثمانية أجزاء, تحقيق د. إحسان عباس: 1968. (9) "البديع في وصف الربيع", الحميري, ص 8, (ط. 1989). (10) نفسه, ص 8. (11) نفسه, ص 9. (12) نفسه, ص 69. (13)"النوريات في الشعر الأندلسي", مقداد رحيم, ص 38, (ط. 1986). (14) نفسه, ص 41. (15) "نفح الطيب", جـ 7/ ص 177. (16) "البديع في وصف الربيع", ص 85. (17) نفسه, ص 98. (18) "ديوان ابن خاتمة الأنصاري", ص 193, (ط. 1972). (19) نفسه, ص 25. (20) نفسه, ص 19. (21) نفسه, ص 24.[/color]
|
||||||||||
![]() |
![]() |
![]() |
2008 © جميع الحقوق محفوظه للشاعر مقداد رحيم | ![]() |
![]() |
![]() |